نؤمن بلبنان واحد ,كلي السيادة والاستقلال ,لا شريك له في ارضه ولا وصي على قراره ولا رقيب على حريته ,لبنان يتعاطى مع الاخرين من خلال المصالح المشتركة على نفس القدر من المساواة ويرفض اشراكهم في مصالحه وقراراته وارضه

Menu:





Free Patriotic Movement

الرئيس السنيورة الرقيق القلب


مارسيل غانم في LBC يقتحم عالم البؤس بجرأة


بيروت - عادل وهبي   

الحياة   2003/12/27

نجح الإعلامي مارسيل غانم في الخروج ببرنامجه "كلام الناس" (المؤسسة اللبنانية للإرسال) من الاطار الحواري والسجالي الى هموم الناس مباشرة, ناقلاً الكاميرا والفريق التلفزيوني الى الأمكنة التي غالباً ما كانت خافية على عيون المشاهدين. وعوض الكلام على الناس ومشكلاتهم الكثيرة, سياسياً واجتماعياً واقتصادياً, أصبح الكلام معهم وفي بيوتهم هو طموح مارسيل غانم.

ولعل الحلقات الأخيرة التي صوّرت خارج الاستوديو ومع ضيوف هم مادة الحوار أو قضيته, تشهد على نجاح الرؤية الجديدة التي يسعى غانم الى اسباغها على برنامجه. فالحلقة التي جمع فيها عائلتين إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية كانت نموذجاً للحوار الإسلامي - المسيحي الذي ينطلق من الواقع مباشرة ولا يكتفي بالتنظير له بعيداً من معطياته الملموسة. أما الحلقة التي خصّ بها مرضى السيدا في لبنان والمشكلات التي يعانونها كالعزلة والفقر و"الاضطهاد" وسواها فكانت نموذجية في معالجة هذه الظاهرة النافرة في لبنان واستطاعت فعلاً أن تغير نظرة الكثير من المشاهدين الى هؤلاء المرضى وأن تخفف عنهم "اللعنة" التي ينزلها المجتمع بهم وهم ليسوا سوى مرضى, لم يختاروا طوعاً أن يصابوا بهذا الداء.


لحلقة الأخيرة من برنامج "كلام الناس" كانت مؤثرة جداً وناجحة جداً ورسّخت الطريقة الجديدة التي يحاول مارسيل غانم اتباعها بعدما سئم من الحوارات السياسية المكرّرة والمستعادة نظراً الى استنفاده الطاقم السياسي والصحافي في لبنان وكان هو في حلقات كثيرة أهم من بعض ضيوفه السياسيين, وأعمق ثقافة وأشمل معرفة. ونجح غانم في زجّ "الدولة" في هذه الحلقة من خلال وزير المال فؤاد السنيورة وجعله شاهداً على ما يحصل من مآسٍ غالباً ما تجهلها الدولة أو تتجاهلها وتغضّ الطرف عنها. اختار مارسيل غانم إحدى العائلات الفقيرة في الضاحية البيروتية الشرقية وتحديداً في منطقة برج حمود (رحم الله الرسام بول غيراغوسيان الذي كان سبّاقاً في رسم مآسي الناس هناك) وزارها برفقة الوزير السنيورة وفريق البرنامج وحوّل البيت الفقير والصغير (عبارة عن غرفة كبيرة) الى استوديو موقت وفيه دار اللقاء بين افراد العائلة المعدمة والوزير والى جانبه غانم. عائلة تضم فتى مشلولاً ومعاقاً راقداً على السرير, وأباً يعاني البطالة منذ أصيب ابنه بالحادث وبعد أن أصيبت ركبته بعطب, وأمّاً مريضة مصابة بانهيار عصبي قويّ وتتناول مهدئات تجعلها شبه مشلولة فكراً وذهناً. وتضمّ العائلة أيضاً فتى في الرابعة عشرة لا يدرس ولا يعمل, وكان ترك المدرسة في التاسعة من عمره وحاول العمل, لكن رفاقه العمّال كانوا يعتدون عليه ضرباً ومزاحاً شديداً. وهناك الابنة الصبية التي تعمل في مصنع خياطة وتتقاضى مئتين وخمسين ألف ليرة شهرياً (أي ما يقارب مئة وثمانين دولاراً أميركياً) وهذا المبلغ هو الذي يعيل هذه الأسرة الفقيرة. وقالت الفتاة للوزير ولمارسيل غانم انها تعطي المبلغ لوالدها وتأخذ منه ما يقارب ألفي ليرة يومياً لتسدّ جوعها بـ"منقوشة" زعتر وتدخن. واعترفت بأنها لا تدخن أمام أبيها احتراماً له. وتحدّثت عن إيمانها بالله الذي جعلها مستقيمة والذي جنّبها الانحراف. إنها مأساة عائلة لبنانية, تتلقى القليل من العون من بعض الجيران والأقارب والمتصدّقين. الابن المشلول يحتاج شهرياً الى ستين حفاضاً (كحفاضات الأطفال) وهذه توفّرها في أحيان وزارة الشؤون الاجتماعية. ويصرّ الأب والأم على ابقاء الولد المشلول في البيت لتعلّقهما به.

عرف مارسيل غانم كيف يدخل هذه الأسرة ومعه الوزير فؤاد السنيورة مثلما نجح من قبل في اختراق العالم الهامشي والسري لمرضى السيدا. وتمكن فعلاً في الحلقة الأخيرة من فضح الحياة المجهولة والأليمة والمأسوية لعائلة هي نموذج لعائلات كثيرة معدمة ولا يعلم بها أحد في وطن يشكل الفقراء فيه 35 في المئة.

نجح مارسيل غانم في إخراج برنامجه الرائج والناجح من إطار الحوارات السياسية التي بات ضيوفها مضجرين على رغم محاولات غانم الذكية والدائمة لتحريضهم ووضعهم في موقع الاتهام السياسي أو مناقشتهم بجرأة, ونجح في تشريع أبواب هذا البرنامج أمام الناس وهمومهم, ليس عبر الاتصالات الهاتفية فحسب وإنما عبر الذهاب اليهم وجعلهم يتكلّمون هم بأنفسهم عن معاناتهم الطويلة.